فصل: تفسير الآيات رقم (49- 51)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الخازن المسمى بـ «لباب التأويل في معاني التنزيل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏30- 33‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ‏(‏30‏)‏ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ‏(‏31‏)‏ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ‏(‏32‏)‏ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ‏(‏33‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً‏}‏ أي لا نترك أعمالهم الصالحة وقيل إن قوله إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً كلام معترض وتقديره إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ‏{‏أولئك لهم جنات عدن‏}‏ أي دار إقامة سميت عدناً لخلود المؤمنين فيها ‏{‏تجري من تحتهم الأنهار‏}‏ وذلك لأن أفضل المساكن ما كان يجري فيه الماء ‏{‏يحلون فيها من أساور من ذهب‏}‏ قيل يحلى كل إنسان منهم ثلاثة أساور سوار من ذهب لهذه الآية وسوار من فضة لقوله تعالى ‏{‏وحلوا وأساور من فضة‏}‏ وسوار من لؤلؤ لقوله ‏{‏ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير‏}‏ ‏{‏ويلبسون ثياباً خضراً من سندس‏}‏ هو الديباج الرقيق ‏{‏وإستبرق‏}‏ هو الديباج الصفيق الغليظ وقيل السندس المنسوج بالذهب ‏{‏متكئين‏}‏ خص الاتكاء لأنه هيئة المتنعمين والملوك ‏{‏فيها‏}‏ أي في الجنة ‏{‏على الأرائك‏}‏ جمع أريكة وهي السرر في الحجال ولما وصف الله سبحانه وتعالى هذه الأشياء قال ‏{‏نعم الثواب‏}‏ أي نعم الجزاء ‏{‏وحسنت‏}‏ أي الجنات ‏{‏مرتفقاً‏}‏ أي مقراً ومجلساً، والمراد بقوله وحسنت مرتفقاً مقابلة ما تقدم ذكره من قوله سبحانه وتعالى وساءت مرتفقاً‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏واضرب لهم مثلاً رجلين‏}‏ قيل نزلت في أخوين من أهل مكة من بين مخزوم وهما أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل وكان مؤمناً وأخوه الأسود بن عبد الأسود وكان كافراً وقيل هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه وسلمان وأصحابه وشبههما برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه قطروس وهما اللذان وصفهما الله سبحانه وتعالى في سورة الصافات وكانت قصتهما على ما ذكره عطاء الخراساني قال‏:‏ كان رجلان شريكان لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضاً بألف دينار فقال صاحبه اللهم إن فلاناً قد شترى أرضاً بألف وإني قد اشتريت منك أرضاً في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم إن صاحبه بنى داراً بألف دينار فقال اللهم إن فلاناً بنى داراً بألف دينار وإني اشتريت منك داراً في الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف دينار فقال اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف دينار فتصدق بها، ثم اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار فقال اللهم إني اشتريت منك خدماً ومتاعاً بألف دينار في الجنة فتصدق بها، ثم أصابته حاجة شديدة فقال لو أتيت صاحبي لعل ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مر به في خدمه وحشمه فقام إليه فنظر إليه صاحبه فعرفه فقال فلان، قال نعم قال ما شأنك قال أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتعينني بخير قال فما فعلت بمالك وقد قاسمتك مالاً وأخذت شطره، فنص عليه قصته فقال وإنك لمن المصدقين بهذا اذهب فلا أعطيك شيئاً فطرده، فقضي لهما فتوفيا فنزل فيهما قوله

‏{‏فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين‏}‏ وروي أنه لما أتاه أخذ بيده وجعل يطوف به ويريه أمواله فنزل فيهما ‏{‏واضرب لهم مثلاً رجلين‏}‏ ‏{‏جعلنا لأحدهما جنتين‏}‏ أي وجعلنا بساتين ‏{‏من أعناب وحففناهما‏}‏ أي أطفناهما من جوانبهما ‏{‏بنخل وجعلنا بينهما زرعاً‏}‏ أي بين النخل والأعناب الزرع وقيل بينهما أي بين الجنتين، يعني لم يكن بين الجنتين خراب بغير زرع ‏{‏كلتا الجنتين آتت‏}‏ أي أعطت كل واحدة من الجنتين ‏{‏أكلها‏}‏ أي ثمرها تماماً ‏{‏ولم تظلم منه شيئاً‏}‏ أي ولم تنقص منه شيئاً ‏{‏وفجرنا خلالهما‏}‏ شققنا وسطهما ‏{‏نهراً‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 44‏]‏

‏{‏وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ‏(‏34‏)‏ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ‏(‏35‏)‏ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ‏(‏36‏)‏ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ‏(‏37‏)‏ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ‏(‏38‏)‏ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ‏(‏39‏)‏ فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ‏(‏40‏)‏ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ‏(‏41‏)‏ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ‏(‏42‏)‏ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ‏(‏43‏)‏ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏وكان له‏}‏ أي لصاحب البستان ‏{‏ثمر‏}‏ قرئ بالفتح جمع ثمرة وقرئ بالضم وهو الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف من الذهب والفضة وغيرهما ‏{‏فقال‏}‏ يعني صاحب البستان ‏{‏لصاحبه‏}‏ يعني المؤمن ‏{‏وهو يحاوره‏}‏ أي يخاطبه ‏{‏أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً‏}‏ أي عشيرة ورهطاً وقيل خدماً وحشماً ‏{‏ودخل جنته‏}‏ يعني الكافر أخذاً بيد أخيه المؤمن يطوف به فيها ويريه إياها ‏{‏وهو ظالم لنفسه‏}‏ أي بكفره فتوهم أنها لا تفنى أبداً وأنكر البعث فقال ‏{‏وما أظن الساعة قائمة‏}‏ أي كائنة ‏{‏ولئن رددت إلى ربي‏}‏ فإن قلت كيف قال ولئن رددت إلى ربي وهو منكر للبعث قلت معناه ولئن رددت إلى ربي على ما نزعم من أن الساعة آتية ‏{‏لأجدن خيراً منها منقلباً‏}‏ أي يعطيني هناك خيراً منها لأنه لم يعطني الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل منها ‏{‏قال له صاحبه‏}‏ يعني المؤمن ‏{‏وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب‏}‏ أي خلق أصلك من تراب لأن خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقاً له ‏{‏ثم من نطفة ثم سواك رجلاً‏}‏ أي عداك بشراً سوياً وكملك إنساناً ذكراً بالغ مبلغ الرجال ‏{‏لكنا هو الله ربي‏}‏ مجازه لكن أنا هو الله ربي ‏{‏ولا أشرك بربي أحداً ولولا‏}‏ أي هلا ‏{‏إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله‏}‏ والمعنى هلا قلت عند دخولها والنظر إلى ما رزقك الله منها ما شاء الله اعترافاً بأنها وكل خير فيها إنما حصل بمشيئة الله تعالى وفضله وأن أمرها بيده وأنه إن شاء تركها عامرة وإن شاء تركها خراباً ‏{‏لا قوة إلا بالله‏}‏ أي وقلت لا قوة إلا بالله إقراراً بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها بمعونة الله وتأييده ولا أقدر على حفظ مالي ودفع شيء عنه إلا بالله‏.‏ روي عن عروة بن الزبير أنه كان إذا رأى من ماله شيئاً يعجبه أو دخل حائطاً من حيطانه قال ما شاء الله لا قوة إلا بالله الحائط البستان ‏{‏إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً‏}‏ أي لأجل ذلك تكبرت علي وتعظمت ‏{‏فعسى ربي‏}‏ أي فلعل ربي ‏{‏أن يؤتين‏}‏ أي يعطيني ‏{‏خيراً من جنتك‏}‏ يعني في الآخرة ‏{‏ويرسل عليها‏}‏ أي على جنتك ‏{‏حسباناً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ناراً، وقيل مرامي ‏{‏من السماء‏}‏ وهي الصواعق فتهلكها ‏{‏فتصبح صعيداً زلقاً‏}‏ أي أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها وقيل تزلق فيها الأقدام وقيل رملاً هائلاً ‏{‏أو يصبح ماؤها غوراً‏}‏ غائراً ذاهباً لا تناله الأيدي ولا الدلاء ‏{‏فلن تستطيع له طلباً‏}‏ يعني إن طلبته لم تجده ‏{‏وأحيط بثمره‏}‏ يعني أحاط العذاب بثمر جنته وذلك أن الله تعالى أرسل عليها من السماء ناراً فأهلكها وغار ماؤها ‏{‏فأصبح‏}‏ يعني صاحبها الكافر ‏{‏يقلب كفيه‏}‏ يصفق بكف على كف ويقلب كفيه ظهراً لبطن تأسفاً وتلهفاً ‏{‏على ما أنفق فيها‏}‏ المعنى فأصبح يندم على ما أنفق في عمارتها ‏{‏وهي خاوية على عروشها‏}‏ أي ساقطة سقوفها وقيل إن كرومها المعرشة سقطت عروشها في الأرض ‏{‏ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً‏}‏ يعني أنه تذكر موعظة أخيه المؤمن فعلم أنه أتى من جهة شركه وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركاً ‏{‏ولم تكن له فئة‏}‏ أي جماعة ‏{‏ينصرونه من دون الله‏}‏ أي يمنعونه من عذاب الله ‏{‏وما كان منتصراً‏}‏ أي ممتنعاً لا يقدر على الانتصار لنفسه وقيل معناه لا يقدر على رد ما ذهب منه‏.‏

وقوله سبحانه وتعالى ‏{‏هنالك الولاية‏}‏ قرئ بكسر الواو يعني السلطان في القيامة ‏{‏لله الحق‏}‏ وقرئ بفتحها من الموالاة والنصرة، يعني أنهم يتولونه يومئذٍ ويتبرؤون مما كانوا يعبدون من دونه في الدنيا ‏{‏هو خير ثواباً‏}‏ أي أفضل جزاء لأهل طاعته لو كان غيره يثيب ‏{‏وخير عقباً‏}‏ يعني عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره فهو خير إثابة وعاقبة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 48‏]‏

‏{‏وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ‏(‏45‏)‏ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ‏(‏46‏)‏ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ‏(‏47‏)‏ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ‏(‏48‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏واضرب لهم‏}‏ أي اضرب يا محمد لقومك ‏{‏مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء‏}‏ يعني المطر ‏{‏فاختلط به نبات الأرض‏}‏ أي خرج منه كل لون وزهرة ‏{‏فأصبح‏}‏ أي عن قريب ‏{‏هشيماً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يابساً ‏{‏تذروه الرياح‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ تذريه تفرقه وتنسفه ‏{‏وكان الله على كل شيء مقتدراً‏}‏ أي قادراً قوله سبحانه وتعالى ‏{‏المال والبنون‏}‏ يعني التي يفتخر بها عيينة وأصحابه الأغنياء ‏{‏زينة الحياة الدنيا‏}‏ يعني ليست من زاد الآخرة، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه‏:‏ المال والبنون حرث الدنيا والأعمال الصالحة حرث الآخرة وقد يجمعهما لأقوام ‏{‏والباقيات الصالحات‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هي قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ‏(‏م‏)‏ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لأن أقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلى مما طلعت الشمس» عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله علي وسلم أنه قال «استكثروا من قول الباقيات الصالحات‏.‏ قيل‏:‏ وما هن يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا مررتم برياض الجنة فارتفعوا‏.‏ قلت‏:‏ يا رسول الله وما رياض الجنة‏؟‏ قال‏:‏ المساجد‏.‏ قلت‏:‏ وما الرتع‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» أخرجه الترمذي‏.‏ وقال حديث غريب عن سعيد بن المسيب أن الباقيات الصالحات هي قول العبد الله أكبر وسبحان الله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله أخرجه مالك في الموطأ موقوفاً عليه وعن ابن عباس أن الباقيات الصالحات الصلوات الخمس وعنه أنها الأعمال الصالحة ‏{‏خير عند ربك ثواباً‏}‏ أي جزاء ‏{‏وخير أملاً‏}‏ أي ما يؤمله الإنسان‏.‏ قوله سبحانه وتعالى ‏{‏ويوم نسير الجبال‏}‏ أي نذهب بها وذلك أن تجعل هباء منثوراً كما يسير السحاب ‏{‏وترى الأرض بارزة‏}‏ أي ظاهرة ليس عليها شجر ولا جبل ولا بناء وقيل هو بروز ما في بطنها من الموتى وغيرهم فيصير باطن الأرض ظاهرها ‏{‏وحشرناهم‏}‏ يعني جميعاً إلى موقف الحساب ‏{‏فلم نغادر منهم أحداً‏}‏ أي لم نترك منهم أحداً ‏{‏وعرضوا على ربك صفاً‏}‏ أي صفاً صفاً وفوجاً فوجاً لأنهم صف واحد وقيل قياماً كل أمة وزمرة صف ثم يقال لهم ‏{‏لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة‏}‏ يعني أحياء وقيل حفاة عراة غرلاً ‏{‏بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعداً‏}‏ يعني القيامة يقول ذلك لمنكر البعث ‏(‏ق‏)‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال‏:‏

«أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين إلا إن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ألا وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي، فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم قال‏:‏ فيقال لي إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم‏.‏ زاد في رواية فأقول سحقاً سحقاً» قوله غرلاً أي قلفاً والغرلة القلفة التي تقع من جلد الذكر وهو موضع الختان، وقوله سحقاً أي بعداً، قال بعض العلماء‏:‏ إن المراد بهؤلاء أصحاب الردة الذين ارتدوا من العرب ومنعوا الزكاة بعد ‏(‏ق‏)‏ عن عائشة قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «يحشر الناس حفاة عراة غرلاً‏.‏ قالت عائشة‏:‏ فقلت الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض قال‏:‏ الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» زاد النسائي في رواية ‏{‏لكل امرئ يومئذٍ شأن يغنيه‏.‏‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 51‏]‏

‏{‏وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ‏(‏49‏)‏ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ‏(‏50‏)‏ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ‏(‏51‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ووضع الكتاب‏}‏ يعني صحائف أعمال العباد توضع في أيدي الناس في أيمانهم وشمائلهم، وقيل توضع بين يدي الله تعالى ‏{‏فترى المجرمين مشفقين‏}‏ أي خائفين ‏{‏مما فيه‏}‏ يعني من الأعمال السيئة ‏{‏ويقولون‏}‏ يعني إذا رأوها ‏{‏يا وليتنا‏}‏ أي يا هلاكنا وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ‏{‏مال هذا الكتاب لا يغادر‏}‏ أي لا يترك ‏{‏صغيرة ولا كبيرة‏}‏ إي من ذنوبنا الصغيرة ‏{‏إلا أحصاها‏}‏ أي عدها وكتبها وأثبتها فيه وحفظها، قال ابن عباس‏:‏ الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏:‏ الصغيرة اللمم واللمس والقبلة والكبيرة الزنا عن سهل بن سعد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم نزلوا في بطن واد فجاء هذا بعود وجاء هذا بعود فانضجوا خبزهم وإن محقرات الذنوب لموبقات» الحقير الشيء الصغير التافه وقوله لموبقات أي مهلكات‏.‏ ‏{‏ووجدوا ما عملوا حاضراً‏}‏ أي مكتوباً أي مثبتاً في كتابهم ‏{‏ولا يظلم ربك أحداً‏}‏ أي لا ينقص ثواب أحد عمل خيراً ولا يؤاخذ أحداً بجرم لم يعمله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه سلم‏:‏ «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» أخرجه الترمذي‏.‏ وقال لا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى‏.‏ قوله سبحانه وتعالى ‏{‏وإذ قلنا‏}‏ أي واذكر يا محمد إذ قلنا ‏{‏للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم وقال الحسن‏:‏ كان من الجن ولم يكن من الملائكة فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن بدليل قوله سبحانه تعالى وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً، وذلك أن قريشاً قالت الملائكة بنات الله، فهذا يدل على أن الملك يسمى جناً ويعضده اللغة لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر فعلى هذا تدخل الملائكة فيه فكل الملائكة جن لاستتارهم وليس كل جن ملائكة، ووجه كونه من الملائكة أن الله سبحانه وتعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل ويصح دخوله وذلك يوجب كونه من الملائكة ووجه من قال إنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة قوله كان من الجن والجن جنس مخالف للملائكة قوله أفتتخذونه وذريته فأثبت له ذرية والملائكة لا ذرية لهم، وأجيب عن الاستثناء أنه استثناء منقطع وهو مشهور في كلام العرب قال الله سبحانه وتعالى

‏{‏وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني‏}‏ وقال تعالى ‏{‏لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً‏}‏ قيل إنه كان من الملائكة فلما خالف الأمر مسخ وغير وطرد ولعن‏.‏ وقوله تعالى ‏{‏ففسق عن أمر ربه‏}‏ أي خرج عن طاعة ربه ‏{‏أفتتخذونه‏}‏ يعني يا بني آدم أفتتخذون إبليس ‏{‏وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو‏}‏ يعني أعداء روي مجاهد عن الشعبي قال‏:‏ إني لقاعد يوماً إذ أقبل رجل فقال أخبرني هل لإبليس زوجة قلت إن ذلك العرس ما شهدته ثم ذكرت قول الله عز وجل ‏{‏أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني‏}‏ فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت نعم، قيل يتوالدون كما يتوالد ابن آدم‏.‏ وقيل إنه يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين‏.‏ قال مجاهد‏:‏ من ذرية إبليس لا قيس وولها وهو صاحب الطهارة والصلاة والهفاف ومره وبه يكنى، وزلنبور وهو صاحب الأسواق يزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلع وبتر وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل ا لرجل وعجيزة المرأة، ومطموس وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلاً، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر الله بصره من المتاع ما لم يرفع أو يحسن موضعه وإذا أكل ولم يسم أكل معه، قال الأعمش‏:‏ ربما دخلت البيت ولم أذكر أسم الله ولم أسلم فرأيت مطهرة فقلت ارفعوا هذه وخاصمتهم ثم أذكر فأقول داسم داسم أعوذ بالله منه، روى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء» أخرجه الترمذي‏.‏ ‏(‏م‏)‏ عن عثمان بن أبي العاص قال‏:‏ قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بين وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذلك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً» قال ففعلت ذلك فأذهبه الله عني ‏(‏م‏)‏ عن جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئاً ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت» قال الأعمش أراه قال فليتزمه‏.‏ وقوله ‏{‏بئس للظالمين بدلاً‏}‏ يعني بئس ما استبدلوا طاعة إبليس وذريته بعبادة ربهم وطاعته‏.‏ قوله سبحانه وتعالى ‏{‏ما أشهدتهم‏}‏ أي ما أحضرتهم يعني إبليس وذريته وقيل الكفار وقيل الملائكة ‏{‏خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم‏}‏ والمعنى ما أشهدتهم خلقها فأستعين بهم على خلقها وأشاورهم فيها ‏{‏وما كنت متخذ المضلين‏}‏ يعني الشياطين الذين يضلون الناس ‏{‏عضداً‏}‏ يعني أنصاراً وأعواناً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 60‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا ‏(‏52‏)‏ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ‏(‏53‏)‏ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ‏(‏54‏)‏ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا ‏(‏55‏)‏ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا ‏(‏56‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ‏(‏57‏)‏ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا ‏(‏58‏)‏ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا ‏(‏59‏)‏ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ‏(‏60‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ويوم يقول نادوا‏}‏ يعني يقول الله تعالى يوم القيامة نادوا ‏{‏شركائي‏}‏ يعني الأصنام ‏{‏الذين زعمتم‏}‏ يعني أنهم شركائي ‏{‏فدعوهم‏}‏ أي فاستغاثوا بهم ‏{‏فلم يستجيبوا لهم‏}‏ أي فلم يجيبوهم ولم ينصروهم ‏{‏وجعلنا بينهم‏}‏ يعني بين الأصنام وعبدتها وقيل بين أهل الهدى وبين أهل الضلال ‏{‏موبقاً‏}‏ يعني مهلكاً قال ابن عباس‏:‏ هو واد في النار وقيل نهر تسيل منه نار وعلى حافتيه حيات مثل البغال الدهم وقيل كل حاجز بين شيئين فهو موبق وأصله الهلاك ‏{‏ورأى المجرمون‏}‏ أي المشركون ‏{‏النار فظنوا‏}‏ أي أيقنوا ‏{‏أنهم مواقعوها‏}‏ أي داخلوها وواقعون فيها ‏{‏ولم يجدوا عنها مصرفاً‏}‏ أي معدلاً لأنها أحاطت بهم من كل جانب وقيل لأن الملائكة تسوقهم إليها‏.‏ قوله سبحانه وتعالى ‏{‏ولقد صرفنا‏}‏ أي بينا ‏{‏في هذا القرآن للناس من كل مثل‏}‏ أي ليتذكروا ويتعظوا ‏{‏وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً‏}‏ أي خصومة في الباطل قال ابن عباس‏:‏ أراد النضر بن الحارث وجداله في القرآن وقيل أراد به أبي بن خلف وقيل أراد به جميع الكفار وقيل الآية على العموم وهو الأصح ‏(‏ق‏)‏ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلاً فقال‏:‏ «ألا تصليان» فقلت يا رسول الله أنفسنا بيد الله تعالى فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت ذلك ولم يرجع إلى شيئاً ثم سمعته يقول وهو مول يضرب فخذه بيده ‏{‏وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً‏}‏ قوله عز وجل ‏{‏وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى‏}‏ يعني القرآن وأحكام الإسلام والبيان من الله تعالى وقيل إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏ويستغفروا ربهم‏}‏ والمعنى أنه لا مانع من الإيمان ولا من الاستغفار والتوبة والتخلية حاصلة والأعذار زائلة فلم لم يقدموا على الإيمان والاستغفار ‏{‏إلا أن تأتيهم سنة الأولين‏}‏ يعني سنتنا بإهلاك الأولين إن لم يؤمنوا وهو عذاب الاستئصال ‏{‏أو يأتيهم العذاب قبلاً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أي عياناً من المقابلة وقيل فجأة‏.‏ قوله سبحانه وتعالى ‏{‏وما نرسل المرسلين إلا مبشرين‏}‏ أي بالثواب على الطاعة ‏{‏ومنذرين‏}‏ بالعقاب لمن عصى ‏{‏ويجادل الذين كفروا بالباطل‏}‏ هو قولهم ‏{‏أبعث الله بشراً رسولاً‏}‏ وقولهم للرسل ‏{‏ما أنتم إلا بشر مثلنا‏}‏ وشبه ذلك ‏{‏ليدحضوا‏}‏ أي ليبطلوا ‏{‏به الحق‏}‏ ويزيلوه ‏{‏واتخذوا آياتي وما أنذروا هزواً‏}‏ فيه إضمار يعني اتخذوا ما أنذروا به وهو القرآن استهزاء‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏ومن أظلم ممن ذكر‏}‏ أي وعظ ‏{‏بآيات ربه فأعرض عنها‏}‏ أي تولى عنها وتركها ولم يؤمن بها ‏{‏ونسي ما قدمت يداه‏}‏ أي ما عمل من المعاصي من قبل ‏{‏إنا جعلنا على قلوبهم أكنة‏}‏ أي أغطية ‏{‏أن يفقهوه‏}‏ يريد لئلا يفهموه ‏{‏وفي آذانهم وقراً‏}‏ أي ثقلاً وصماً ‏{‏وإن تدعهم‏}‏ يا محمد ‏{‏إلى الهدى‏}‏ أي الدين ‏{‏فلن يهتدوا إذاً أبداً‏}‏ وهذا في أقوام علم الله منهم أنهم لا يؤمنون ‏{‏وربك الغفور‏}‏ أي البليغ المغفرة ‏{‏ذو الرحمة‏}‏ أي الموصوف بالرحمة ‏{‏لو يؤآخذهم‏}‏ أي يعاقب الكفار ‏{‏بما كسبوا‏}‏ من الذنوب ‏{‏لعجل لهم العذاب‏}‏ أي في الدنيا ‏{‏بل لهم موعد‏}‏ يعني البعث والحساب ‏{‏لن يجدوا من دونه موئلاً‏}‏ أي ملجأ ‏{‏وتلك القرى‏}‏ قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ‏{‏أهلكناهم لما ظلموا‏}‏ أي كفروا ‏{‏وجعلنا لمهلكهم موعداً‏}‏ أي أجلاً لإهلاكهم‏.‏

قوله سبحانه وتعالى ‏{‏وإذ قال موسى لفتاه‏}‏ الآيات أكثر العلماء على أن موسى المذكور في هذه الآية هو موسى بن عمران من سبط لاوي بن يعقوب صاحب المعجزات الظاهرة وصاحب التوراة‏.‏ وعن كعب الأحبار أنه موسى بن ميشا من أولاد يوسف بن يعقوب وكان قد تنبأ قبل موسى بن عمران‏.‏ والقول الأول أصبح بدليل أن الله سبحانه وتعالى في كتابه لم يذكر العزيز موسى إلا أراد به صاحب التوراة فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه ولو أراد شخصاً آخر لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز بينهما وتزيل الشبهة فلما لم يميزه بصفة علمنا أنه موسى بن عمران صاحب التوراة وأما فتاه فالأصح أنه يوشع ابن نون بن أفراً ثم ابن يوسف وهو صاحب موسى وولي عهده بعد وفاته، وقيل إنه أخو يوشع وقيل فتاة يعني بده بدليل قوله صلى الله عليه وسلم «لا يقل أحدكم عبده وأمتي وليقل فتاي وفتاتي» ‏(‏ق‏)‏ عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس أن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بين إسرائيل فقال ابن عباس‏:‏ كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «إن موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل فسأل أي الناس أعلم فقال أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى‏:‏ يا رب فكيف لي به قال‏:‏ فخذ معك حوتاً فاجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، فاضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سرباً وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به‏.‏

فقال له فتاه ‏{‏أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً‏}‏ قال فكان للحوت سرباً ولموسى ولفتاه عجباً فقال موسى ‏{‏ذلك ما كنا نبغ فارتدا على أثارهما قصصاً‏}‏ قال رجعا فقصا آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب أبيض فسلم عليه موسى فقال الخضر وأنى بأرضك السلام فقال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ نعم أتيتك لتعلمني ما علمت رشداً، قال‏:‏ إنك لن تستطيع معي صبراً، يا موسى إني على علم من علم الله عملنيه لا تعلمه وأنت على علم من علم الله لا أعلمه فقال موسى‏:‏ ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً فقال له الخضر‏:‏ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً‏.‏ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا السفينة لم يفجأ موسى إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى‏:‏ قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها «لقد جئت شيئاً إمراً قال‏:‏ ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً‏:‏ قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كانت الأولى من موسى نسياناً قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى‏:‏» أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً «قال وهذه أشد من الأولى قال» إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً‏.‏ فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض «أي مائلا فقال الخضر بيده هكذا فأقامه فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا» لو شئت لاتخذت عليه أجراً قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبراً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يرحم الله موسى، لوددت أنه صبر يقص علينا من أخبارهما «قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ‏:‏ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين‏.‏

وفي رواية عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قام موسى عليه السلام ذكر الناس يوماً حتى إذا ما فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال‏:‏ أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك‏؟‏ قال‏:‏ لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى‏.‏ فقال بلى قال أي رب وأين هو قال بمجمع البحرين قال خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح‏.‏ وفي رواية تزود حوتاً مالحاً فإنه حيث يفقد الحوت زاد في رواية وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حي فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر ورجعنا إلى التفسير‏.‏ قوله سبحانه وتعالى ‏{‏لا أبرح‏}‏ أي لا أزال أسير ‏{‏حتى أبلغ مجمع البحرين‏}‏ قيل أراد بحر فارس والروم مايلي المشرق وقيل طنجة وقيل إفريقية ‏{‏أو أمضي حقباً‏}‏ يعني أو أسير دهراً طويلاً‏.‏ والحقب ثمانون سنة فحمل خبزاً وسمكة مالحة في المكتل وهو الزنبيل الذي يسع خمسة عشر صاعاً ومضيا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين وعندها عين تسمى عين الحياة لا تصيب شيئاً إلا حيي فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وهاجت ودخلت في البحر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 62‏]‏

‏{‏فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ‏(‏61‏)‏ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ‏(‏62‏)‏‏}‏

‏{‏فلما بلغا‏}‏ يعني موسى وفتاه ‏{‏مجمع بينهما‏}‏ أي بين البحرين ‏{‏نسيا‏}‏ أي تركا ‏{‏حوتهما‏}‏‏.‏ وإنما كان الحوت مع يوشع بن نون، وهو الذي نسيه وإنما أضاف النسيان إليهما تزواده لسفرهما وقيل المراد من قوله نسيا حوتهما أي نسيا كيفيه الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول للمطلوب‏.‏ ‏{‏فاتخذ‏}‏ أي الحوت ‏{‏سبيله في البحر سرباً‏}‏ أي مسلكاً‏.‏ وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه سلم أنه قال «أنجاب الماء عن مسلك الحوت فصار كوة لم يلتئم فدخل موسى الكوة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر» قال ابن عباس‏:‏ جعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى صخرة، وقد روينا أنهما لما انتهيا إلى الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت فخرج فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سرباً فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن يخبره فانطلقا حتى إذا كان من الضد وهو قوله سبحانه وتعالى ‏{‏فلما جاوزوا‏}‏ يعني ذلك الموضع وهو مجمع البحرين ‏{‏قال‏}‏ يعني موسى ‏{‏لفتاه آتنا غداءنا‏}‏ أي طعامنا ‏{‏لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً‏}‏ أي تعباً وشدة وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة ليتذكر الحوت ويرجع في طلبه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 71‏]‏

‏{‏قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ‏(‏63‏)‏ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا ‏(‏64‏)‏ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ‏(‏65‏)‏ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ‏(‏66‏)‏ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏67‏)‏ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ‏(‏68‏)‏ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ‏(‏69‏)‏ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏70‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ‏(‏71‏)‏‏}‏

‏{‏قال‏}‏ يعني يوشع ‏{‏أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة‏}‏ وهي صخرة كانت بالموضع الموعود ‏{‏فإني نسيت الحوت‏}‏ أي تركته وفقدته، وذلك أن يوشع حين رأى من الحوت ذلك قام ليدرك موسى فيخبره فنسي أن يخبره، فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد ثم قال ‏{‏وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره‏}‏ أي وما أنساني أن أذكر لك أمر الحوت إلا الشيطان، قيل المراد من النسيان شغل قلب الإنسان بوساوس الشيطان التي هي فعله دون النسيان الذي يضاد الفكر لأن ذلك لا يصح إلا من قبل الله تعالى ‏{‏واتخذ سبيله في البحر عجباً‏}‏ قيل هذا من قول يوشع بن نون يعني وقع الحوت في البحر فاتخذ سبيله فيه مسلكاً‏.‏ وروي في الخبر كان للحوت سرباً ولموسى ولفتاه عجباً وقيل أي شيء أعجب من حوت يؤكل منه دهراً ثم صار حياً بعد ما أكل بعضه‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏قال‏}‏ يعني موسى ‏{‏ذلك ما كنا نبغ‏}‏ نطلب ‏{‏فارتدا على أثارهما قصصاً‏}‏ أي رجعا يقصان الذي جاءا منه ويتبعانه ‏{‏فوجدوا عبداً من عبادنا‏}‏ قيل كان ملكاً من الملائكة والصحيح الذي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء في التواريخ أنه الخضر واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس، قيل كان من بني إسرائيل وقيل كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا وتركوا الدنيا والخضر لقب له، سمي به لأنه جلس على فروة بيضاء فاخضرت‏.‏ ‏(‏خ‏)‏ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما سمي خضراً لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء»، الفروة قطعة نبات مجتمعة يابسة وقيل سمي خضراً لأنه كان إذا صلّى اخضر ما حوله‏.‏ وروينا أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه، فقال الخضر‏:‏ وأنى بأرضك السلام قال أنا موسى أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً‏.‏ ومعنى مسجى أي مغطى بثوب وقوله وأنى بأرضك السلام معناه من أين بأرضك التي أنت فيها الآن السلام‏.‏ وروي أنه لقيه على طنفسه خضراء على جانب البحر فذلك قوله سبحانه وتعالى ‏{‏فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة‏}‏ أي نعمة ‏{‏من عندنا وعلمناه من لدنا علماً‏}‏ أي علم الباطن إلهاماً ولم يكن الخضر نبياً عند أكثر أهل العلم‏.‏ فإن قلت ظاهر الآيات يدل على أن الخضر كان أعلى شأناً من موسى وكان موسى يظهر التواضع له والتأدب معه‏.‏ قلت لا يخلو إما أن يكون الخضر من بني إسرائيل أو من غيرهم فإن كان من بني إسرائيل فهو من أمة موسى، ولا جائز أن يكون أحد الأمة أفضل من نبيها أو أعلى شأناً منه، وإن كان من غير بني إسرائيل فقد قال الله تعالى لبني إسرائيل

‏{‏وإني فضلتكم على العالمين‏}‏ أي على عالمي زمانكم ‏{‏قال له موسى هل أتبعك‏}‏ معناه جئت لأصحبك وأتبعك ‏{‏على أن تعلمن مما علمت رشداً‏}‏ أي صواباً وقيل علماً ترشدني به‏.‏ وفي بعض الأخبار قال الخضر لموسى‏:‏ كفى بالتوراة علماً وبني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى‏:‏ إن الله أمرني بهذا فحينئذٍ ‏{‏قال‏}‏ الخضر لموسى ‏{‏إنك لن تستطيع معي صبراً‏}‏ وإنما قال ذلك لأنه علم أنه يرى أموراً منكرة ولا يجوز للأنبياء الصبر مع المنكرات ثم بين عذره في ترك الصبر فقال ‏{‏وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً‏}‏ أي علماً ‏{‏قال‏}‏ موسى ‏{‏ستجدني إن شاء الله صابراً‏}‏ إنما استثنى لأنه لم يثق من نفسه بالصبر ‏{‏ولا أعصي لك أمراً‏}‏ أي أخالفك فيما تأمرني به قال ‏{‏فإن اتبعتني‏}‏ إي فإن صحبتني ولم يقل اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه شرط عليه ثم شرطاً فقال ‏{‏فلا تسألني عن شيء‏}‏ أي مما أعلمه مما تنكره ولا تعترض عليه ‏{‏حتى أحدث لك منه ذكراً‏}‏ معناه حتى أبتدأ بذكره فأبين لك شأنه‏.‏ قوله سبحانه وتعالى ‏{‏فانطلقا‏}‏ أي يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها، فوجدا سفينة فركباها فقال أهل السفينة هؤلاء لصوص، وأمروهما بالخروج فقال صالح السفينة ما هم بلصوص ولكن أرى وجوه الأنبياء‏.‏ وروينا عن أبي بن كعب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «مرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، أي بغير عوض ولا عطاء، فلما لججوا في البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحاً من ألواح السفينة فذلك» قوله تعالى ‏{‏حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال‏}‏ يعني موسى له ‏{‏أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً‏}‏ أي أتيت شيئاً عظيماً منكراً‏.‏ روي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء وروي أن موسى لما رآى ذلك أخذ ثوبه فحشا به الخرق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏72- 77‏]‏

‏{‏قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏72‏)‏ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ‏(‏73‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ‏(‏74‏)‏ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ‏(‏75‏)‏ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ‏(‏76‏)‏ فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ‏(‏77‏)‏‏}‏

‏{‏قال‏}‏ العالم وهو الخضر ‏{‏ألم أقل أنك لن تستطيع معي صبراً قال‏}‏ يعني موسى ‏{‏لا تؤاخذني بما نسيت‏}‏‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ لم ينس ولكنه من معاريض الكلام فكأنه نسي شيئاً آخر‏.‏ وقيل معناه بما تركت من عهدك النيسان الترك وقال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم «كانت الأولى من موسى نسياناً والثانية شرطاً والثالثة عمداً» ‏{‏ولا ترهقني‏}‏ أي لا تغشني ‏{‏من أمري عسراً‏}‏ والمعنى لا تعسر علي متابعتك وسيرها بالأغضاء وترك المناقشة وقيل لا تكلفني مشقة ولا تضيق علي أمري‏.‏ ‏{‏فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله‏}‏ في القصة أنهما خرجا من البحر يمشيان فمرا بغلمان، يلعبون فأخذ الخضر غلاماً ظريفاً وضيء الوجه كان وجهه يتوقد حسناً فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، وروينا أنه أخذ برأسه فاقتلعه‏.‏ وروى عبد الرزاق هذا الخبر وفيه أشار بأصابعه الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى وقلع رأسه‏.‏ وروي أن رضخ رأسه بحجر وقيل ضرب رأسه بالجدار فقتله‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ كان غلاماً لم يبلغ الحنث ولم يكن نبي الله موسى يقول أقتلت نفساً زاكية، إلا وهو صبي لم يبلغ الحنث، وقيل‏:‏ كان رجلاً وقيل كان اسمه حيسور وقيل كان فتى يقطع الطريق ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه‏.‏ وقيل كان غلاماً يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه‏.‏ ‏(‏ق‏)‏ عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» لفظ مسلم ‏{‏قال‏}‏ يعني موسى ‏{‏أقتلت نفساً زكية‏}‏ أي لم تذنب قط وقرئ زكية وهي التي أذنبت ثم تابت ‏{‏بغير نفس‏}‏ أي لم تقتل نفساً حتى يجب عليها القتل ‏{‏لقد جئت شيئاً نكراً‏}‏ أي منكراً عظيماً، وقيل النكر أعظم من الأمر لأنه حقيقة الهلاك، وفي خرق السفينة خوف الهلاك، وقيل الأمر أعظم لأن فيه تغريق جمع كثير، وقيل معناه لقد جئت شيئاً أنكر من الأول لأن ذاك كان خرقاً يمكن تداركه بالسد وهذا لا سبيل إلى تداركه ‏{‏قال‏}‏ يعني الخضر ‏{‏ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً‏}‏ قيل زاد في هذه الآية قوله لك لأنه نقض العهد مرتين، وقيل إن هذه اللفظة توكيد للتوبيخ فعند هذا ‏{‏قال‏}‏ موسى ‏{‏إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني‏}‏ قيل إن يوشع كان يقول لموسى يا نبي الله اذكر العهد الذي أنت عليه، قال موسى إن سألتك عن شيء بعد هذه المرة فلا تصاحبني، أي فارقني لا تصاحبني ‏{‏قد بلغت من لدني عذراً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أي قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقيل معناه اتضح لك العذر في مفارقتي والمعنى أنه مدحه بهذه الطريقة من حيث أنه احتمله مرتين أولاً وثانياً مع قرب المدة ‏(‏ق‏)‏ عن أبي بن كعب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«رحمة الله علينا وعلى وموسى وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بدأ بنفسه لولا أنه عجل لرأى العجب، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة فقال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فلو صبر لرأى العجب» قوله ذمامة هو بذال معجمة أي حياء وإشفاق من الذم واللوم، يقال ذممته ذمامة لمته ملامة ويشهد له قول الخضر هذا فراق بيني وبينك‏.‏

قوله سبحانه وتعالى ‏{‏فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني أنطاكية وقيل الأيلة وهي أبعد الأرض من السماء وقيل هي بلدة بالأندلس ‏{‏استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما‏}‏ قال أبي بن كعب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «أتيا أهل قرية لئاماً فطافا في المجلس فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما» وروي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافاهم فلم يضيفوهما‏.‏ وعن أبي هريرة قال‏:‏ أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعا لنسائهم ولعن رجالهم‏.‏ وعن قتادة قال‏:‏ شر القرى التي لا تضيف الضيف ‏{‏فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض أي يسقط وهذا من مجاز الكلام لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه قرب ودنا من السقوط كما تقول داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها، فاستعير لها النظر كما أستعير للجدار الإرادة‏.‏ ‏{‏فأقامه‏}‏ أي سواه، وفي حديث أبي بن كعب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم «فقال الخضر بيده هكذا فأقامه» وقال ابن عباس‏:‏ هدمه وقعد يبنيه‏.‏ ‏{‏قال‏}‏ يعني موسى ‏{‏لو شئت لاتخذت عليه أجراً‏}‏ يعني على إصلاح الجدار جعلاً والمعنى أنك قد علمت أنا جياع، وأن أهل القرية لم يطعمونا فلو اتخذت على عملك أجراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏78- 82‏]‏

‏{‏قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏78‏)‏ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ‏(‏79‏)‏ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ‏(‏80‏)‏ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ‏(‏81‏)‏ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ‏(‏82‏)‏‏}‏

‏{‏قال‏}‏ يعني الخضر ‏{‏هذا فراق بيني وبينك‏}‏ يعني هذا وقت فراق بيني وبينك وقيل إن هذا الإنكار على ترك أخذ الأجر هو المفرق بيننا ‏{‏سأنبئك‏}‏ أي سوف أخبرك ‏{‏بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً‏}‏ وقيل إن موسى أخذ بثوب الخضر وقال أخبرني بمعنى ما عملت قبل أن تفارقني فقال الخضر ‏{‏أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر‏}‏ قيل كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى وخمسة يعملون في البحر، أي يؤجرونها ويكتسبون بها، وفي دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئاً لا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملكه بكفايته، وإن حال الفقير في الضر والحاجة أشد من حال المسكين، لأن الله تعالى سماهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون تلك السفينة ‏{‏فأردت أن أعيبها‏}‏ أي أجعلها ذات عيب ‏{‏وكان وراءهم ملك‏}‏ أي أمامهم وقيل خلفهم وكان رجوعهم في طريقهم عليه والأول أصح‏.‏ ‏{‏يأخذ كل سفينة غصباً‏}‏ أي كل سفينة صالحة فخرقتها وعبتها حتى لا يأخذها الملك الغاصب وكان اسمه الجلندي والأزدي وكان كافراً وقيل اسمه هدد بن بدد، روي أن الخضر اعتذر إلى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا يعلمون بخبره وقال أردت إذا هي تمر به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها وانتفعوا بها‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا‏}‏ أي خفنا والخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه، وقيل معناه فعلمنا ‏{‏أن يرهقهما‏}‏ أي يغشيهما وقيل يكلفهما ‏{‏طغياناً وكفراً‏}‏ قيل معناه فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه على دينه ‏{‏فأردنا أن يبدلهما ربهما‏}‏ الإبدال رفع الشيء ووضع أخر مكانه ‏{‏خيراً منه زكاة‏}‏ أي صلاحاً وتقوى، وقيل هو في مقابلة قوله تعالى ‏{‏أقتلت نفساً زكية‏}‏ فقال الخضر أردنا أن يرزقهما الله خيراً منه زكاة ‏{‏وأقرب رحماً‏}‏ أي ويكون المبدل منه أقرب عطفاً ورحمة لأبويه، بأن يبرهما ويشفق عليهما قيل أبدلهما جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبياً فهدى الله على يديه أمة من الأمم وقيل ولدت سبعين نبياً، وقيل أبدلهما بغلام مسلم وقيل إن الغلام الذي قتل فرح به أبواه حين ولد وحزن عليه حين قتل ولو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض العبد بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله سبحانه وتعالى للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب‏.‏

قوله سبحانه وتعالى ‏{‏وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة‏}‏ قيل كان أسمهما أصرم وصريم ‏{‏وكان تحته كنز لهما‏}‏ روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «كان الكنز ذهباً وفضة» أخرجه الترمذي‏.‏ وقيل كان الكنز صحفاً فيهم علم‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح عجباً لمن أيقن بالقدر كيف يغضب، عجباً لمن أيقن بالرزق كيف يتعب عجباً لمن أيقن بالحساب كيف يغفل عجباً لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله وفي الجانب الآخر مكتوب أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه‏.‏ وقيل الكنز إذا أطلق يراد به المال ومع التقييد يراد به غيره، يقال عند فلان كنز علم وكان هذا اللوح جامعاً لهما ‏{‏وكان أبوهما صالحاً‏}‏ قيل إن إسمه كاشح وكان من الأتقياء، وقال ابن عباس‏:‏ حفظا بصلاح أبيهما، وقيل كان بينهما وبين الأب الصالح سبع آباء، قال محمد بن المنكدر‏:‏ إن الله سبحانه وتعالى يحفظ بصلاح العبد ولده وولد ولده وعشيرته وأهل دويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم وقال سعيد بن المسيب‏:‏ إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي‏.‏ ‏{‏فأراد ربك أن يبلغا أشدهما‏}‏ أي يدركا ويعقلا قوتهما وهو البلوغ وقيل ثمان عشرة سنة‏.‏ فإن قلت كيف قال في الأولى فأردت وفي الثانية فأردنا وفي الثالثة فأراد ربك وما وجه كل واحدة في هذه الألفاظ‏.‏ قلت إنه لما ذكر العيب أضافة إلى نفسه على سبيل الأدب مع الله تعالى، فقال فأردت أن أعيبها ولما قتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع تنبيهاً على أنه من العلماء العظماء في علم الباطن وعلوم الحكمة، وأنه لم يقدم على مثل هذا القتل إلا بحكمة عالية، ولما ذكر عليه المصالح في مال اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله سبحانه وتعالى لأن حفظ الأبناء وصلاح أحوالهم لرعاية حق الآباء ليس إلا لله سبحانه وتعالى، فلأجل ذلك أضافه إلى الله تعالى ‏{‏ويستخرجا كنزهما‏}‏ يعني إذا بلغا وعقلا وقويا ‏{‏رحمة من ربك‏}‏ أي نعمة من ربك ‏{‏وما فعلته عن أمري‏}‏ أي باختياري ورأيي بل فعلته بأمر والله وإلهامه إياي لأن تنقيض أموال الناس وإراقة دمائهم وتغيير أصولهم، لايكون إلا بالنص وأمر الله تعالى‏.‏ واستدل بعضهم بقوله سبحانه وتعالى وما فعلته عن أمري على أنه الخضر كان نبياً لأن هذا يدل على الوحي وذلك للأنبياء، والصحيح أنه ولي الله وليس بنبي، وأجيب عن قوله سبحانه وتعالى وما فعلته عن أمري إنه إلهام من الله سبحانه وتعالى له بذلك، وهذه درجة الأولياء‏.‏ وقيل معناه إنما فعلت هذه الأفعال لغرض أن تظهر رحمة الله لأنهما بأسرها ترجع إلى معنى واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى‏.‏

‏{‏ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً‏}‏ أي لم تطق أن تصبر عليه‏.‏

روي أن موسى عليه السلام لما أراد أن يفارق الخضر قال‏:‏ أوصني قال‏:‏ لا تطلب العلم لتحدث به واطلب العلم لتعمل به‏.‏ واختلف العلماء في أن الخضر حي أم ميت فقيل إنه حي وهو قول الأكثرين من العلماء وهو متفق عليه عند مشايخ الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة والحكايات في رؤيته والاجتماع به، ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصر، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاواه‏:‏ هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة‏.‏ هذا آخر كلامه، وقيل إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان كل سنة بالموسم وكان السبب في حياة الخضر فيما حكي أنه شرب من عين الحياة وذلك أن ذو القرنين دخل الظلمة لطلب عن الحياة، وكان الخضر على مقدمته فوقع الخضر على العين فاغتسل وشرب منها وصلى شكراً لله تعالى وأخطأ ذو القرنين الطريق، فرجع وذهب أخرون إلى أنه ميت لقوله سبحانه وتعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدما صلى العشاء ليلة «أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد ولو كان الخضر حياً لكان لا يعيش بعده»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 91‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ‏(‏83‏)‏ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ‏(‏84‏)‏ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏85‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ‏(‏86‏)‏ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ‏(‏87‏)‏ وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ‏(‏88‏)‏ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏89‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ‏(‏90‏)‏ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ‏(‏91‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل ‏{‏ويسألونك عن ذي القرنين‏}‏ قيل اسمه مرزبان بن مرزبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح وقيل اسمه الاسكندر بن فيلفوس كذا صح الرومي، وكان ولد عجوز ليس لها ولد غيره ونقل الإمام فخر الدين في تفسيره عن أبي الريحان السروري المنجم في كتابه المسمى بالآثار الباقية عن القرون الخالية أنه من حمير واسمه أبو كرب سمي ابن عير بن أبي أفريقيس الحميري وهو الذي افتخر به أحد شعراء حمير حيث يقول

قد كان ذو القرنين جدي مسلماً *** ملكاً علا في الأرض غير مفند

بلغ المشارق والمغارب يبتغي *** أسباب ملك من كريم مرشد

فرآى مآب الشمس عند غروبها *** في عين ذي خلب وثأطه حرمد

قوله فرأى مآب الشمس، أي ذهاب الشمس وقوله في عين ذي خلب أي حمأة، والثأطة الحمأة أيضاً والجمع ثأط والحرمد الطين الأسود‏.‏ وقيل سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، وقيل لأنه ملك فارس والروم وقيل لأنه دخل النور والظلمة، وقيل لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس وقيل لأنه كان له ذؤابتان حسنتان، وقيل كان له قرنان تورايهما العمامة، وروي عن علي أنه أمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيمن فمات فأحياه الله ثم بعثه فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات فأحياه الله‏.‏ واختلفوا في نبوته فقيل كان نبياً ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى قلنا يا ذا القرنين وخطاب الله لا يكون إلا مع الأنبياء وقيل لم يكن نبياً‏.‏ قال أبو الطفيل‏:‏ سئل علي عن ذي القرنين أكان نبياً فقال‏:‏ لم يكن نبياً ولا ملكاً ولكن كان عبداً أحب الله فأحبه الله وناصح الله، فناصحه الله‏.‏ وروي أن عمر سمع رجلاً يقول لآخر يا ذا القرنين فقال تسميتم بأسماء الأنبياء، فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء الملائكة والأصح الذي عليه الأكثرون أنه كان ملكاً صالحاً عادلاً وأنه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال والجنوب وهذا هو القدر المعمور من الأرض وذلك أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن دان له طوائف ثم مضى إلى ملوك العرب وقهرهم، ومضى حتى أنتهى إلى البحر الأخضر، ثم رجع إلى مصر وبنى الإسكندرية، وسماها باسمه ثم دخل الشام وقصد بيت المقدس وقرب فيه القربان، ثم انعطف إلى أرمينية وبوب الأبواب وبنى السد ودانت له ملوك العراق والنبط والبربر‏.‏ واستولى على ممالك الفرس ثم مضى إلى الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ثم رجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها وحمل إلى حيث هو مدفون وقيل إن عمره كان ألفاً وثلاثين سنة ومثل هذا الملك البسيط الذي هو على خلاف العادات وجب أن يبقى ذكره مخلداً على وجه الأرض فذلك قوله سبحانه وتعالى ‏{‏ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً‏}‏ أي خبراً يتضمن حاله‏.‏

قوله سبحانه وتعالى ‏{‏إنا مكنا له في الأرض‏}‏ أي وطأنا له والتمكين تمهيد الأسباب، قال علي سخر الله له السحاب فحمل عليه ومد له في الأسباب، وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء وسهل عليه السير في الأرض وذلك له طريقها‏.‏ ‏{‏وآتيناه من كل شيء‏}‏ ما يحتاج إليه الخلق وكل ما يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء ‏{‏سبباً‏}‏ أي علماً يسبب به إلى كل ما يريده ويسير به في أقطار الأرض وقيل بلاغاً إلى حيث أراد، وقيل قربنا له أقطار الأرض ‏{‏فأتبع سبباً‏}‏ أي سلك طريقاً ‏{‏حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة‏}‏ أي ذات حماة وهي الطينة السوداء، وقرئ حامية اي حارة، وسأل معاوية كعباً‏:‏ كيف تجد في التوراة تغرب الشمس وأين تغرب‏؟‏ قال‏:‏ نجد في التوراة أنها تغرب في ماء وطين‏.‏ وقيل يجوز أن يكون معنى في عين حمئة أي عندها عين حمئة، أو في رأي العين، وذلك أنه بلغ موضعاً من المغرب لم يبق بعده شيء من العمران فوجد الشمس كأنها تغرب في وهذه مظلمة‏.‏ كما أن راكب البحر يرى أن الشمس كأنها تغيب في البحر ‏{‏ووجد عندها قوماً‏}‏ أي عند العين أمة، قال ابن جريج‏:‏ مدينة لها أثنا عشر ألف باب يقال إنها الجاسوس واسمها بالسريانية حريحسا سكنها قوم من نسل ثمود الذين آمنوا بصالح لولا ضجيج أهلها، لسمع الناس وجبة الشمس حين تجب أن تغيب ‏{‏قلنا يا ذا القرنين‏}‏ يستدل بهذا من يزعم أنه كان نبياً فإن الله خاطبه من قال إنه لم يكن نبياً قال المراد منه الإلهام وقيل يحتمل أن يكون الخطاب على لسان غيره ‏{‏إما أن تعذب‏}‏ يعني تقتل من لم يدخل في الإسلام‏.‏

‏{‏وإما أن تتخذ فيهم حسنا‏}‏ يعني تعفو وتصفح وقيل تأسرهم فتعلمهم الهدى، خيره الله سبحانه وتعالى بين الأمرين ‏{‏قال أما من ظلم‏}‏ أي كفر ‏{‏فسوف نعذبه‏}‏ أي نقتله ‏{‏ثم يرد إلى ربه‏}‏ أي في الآخرة ‏{‏فيعذبه عذاباً نكراً‏}‏ أي منكراً يعني بالنار لأنها أنكر من القتل ‏{‏وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى‏}‏ أي جزاء أعماله الصالحة ‏{‏وسنقول له من أمرنا يسراً‏}‏ أي نلين له القول نعامله باليسر من أمرنا ‏{‏ثم أتبع سبباً‏}‏ أي سلك طريقاً ومنازل ‏{‏حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً‏}‏ قيل إنهم كانوا في مكان ليس بينهم وبين الشمس ستر من جبل ولا شجر ولا يستقر عليهم بناء، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم تحت الأرض، فإذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم‏.‏

وقيل إنهم كانوا إذا طلعت الشمس نزلوا في الماء فإذا ارتفعت عنهم خرجوا فرعوا كالبهائم، وقيل هم قوم عراة يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحق بالأخرى وقيل إنهم من قوم من نسل مؤمني قوم هود واسم مدينتهم جابلق واسمها بالسريانية مرقيسيا وهم مجاورون يأجوج ومأجوج‏.‏ قوله سبحانه وتعالى ‏{‏كذلك‏}‏ أي كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها، وقيل معناه أنه حكم في القوم الذين هم عند مطلع الشمس كما حكم في القوم الذين هم عند مغربها وهو الأصح‏.‏

‏{‏وقد أحطنا بما لديه خبراً‏}‏ أي علماً بما عنده ومن معه من الجند والعدة وآلات الحرب، وقيل معناه وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية بذلك الملك والاستقلال به والقيام بأمره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 94‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ‏(‏92‏)‏ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ‏(‏93‏)‏ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ‏(‏94‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين‏}‏ هما هنا جبلان في ناحية الشمال في منقطع أرض الترك حكي أن الواثق بعث بعض من يثق به من أتباعه إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب من الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه فوصفوا أنه بناء من لبن حديد مشدود بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل ‏{‏وجد من دونهما قوماً‏}‏ أي أمام السدين قيل هم الترك ‏{‏لا يكادون يفقهون قولاً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ لا يفهمون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم ‏{‏قالوا يا ذا القرنين‏}‏ فإن قلت كيف أثبت لهم القول وهم لا يفهمون‏.‏ قلت تكلم عنهم مترجم ممن هو مجاورهم ويفهم كلامهم، وقيل معناه لا يكادون يفقهون قولاً إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها كما يفهم الخرس ‏{‏إن يأجوج ومأجوج‏}‏ أصلهما من أجيج النار وهو ضوؤها وشررها شبهوا به لكثرتهم وشدتهم، وهم من أولاد يافت بن نوح والترك منهم قيل إن طائفة منهم خرجت تغير فضرب ذو القرنين السد فبقوا خارجه فسموا الترك لأنهم تركوا خارجين‏.‏ قال أهل التواريخ‏:‏ أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث فسام أبو العرب والعجم والروم وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة ويافث أبو الترك والخزر والصقالية ويأجوج ومأجوج قال ابن عباس «هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء» وروى حذيفة مرفوعاً «أن يأجوج ومأجوج أمة، وكل أمة أربعة آلاف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه قد حمل السلاح، وهم من ولد آدم يسيرون إلى خراب الدنيا، وقال هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله عشرون مائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه بالأخرى وطوله سواء عشرون مائة ذراع وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحق بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية‏.‏

وعن علي‏:‏ منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول‏.‏ وقال كعب‏:‏ هم نادرة في ولد آدم وذلك أن آدم أحتلم ذات يوم، وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم، وذكر وهب بن منبه أن ذا القرنين كان رجلاً من الروم ابن عجوز‏.‏ فلما بلغ كان عبداً صالحاً قال الله سبحانه وتعالى إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم منهم أمتان بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس‏.‏ يقال له ناسك، والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك وأمتان بينهما عرض الأرض احداهما في القطر الأيمن يقال لها هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها تأويل، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج‏.‏

فقال ذو القرنين بأي قوة أكابدهم وبأي جمع أكاثرهم وبأي لسان أناطقهم‏؟‏ فقال الله تعالى إني سأقويك وأبسط لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء، وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك، فالنور يهديك من أمامك والظلمة تحوطك من ورائك‏.‏ فانطلق حتى مغرب الشمس، فوجد جمعاً وعدداً لا يحصيهم إلا الله تعالى فكاثرهم بالظلمة حتى جمعهم في مكان واحد، فدعاهم إل الله تعالى وعبادته فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت أجوافهم وبيوتهم فدخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب جنداً عظيماً وانطلق يقودهم والظلمة تسوقهم، حتى أتى هاويل ففعل فيهم كفعله في ناسك ثم مضى حتى منسك ففعل فيهم كفعله في الأمتين، وجند منهم جنداً عظيماً ثم أخذ ناحية اليسرى فأتى تاويل ففعل بهم كفعله فيما قبلها ثم عمد إلى الأمم التي في وسط الأرض‏.‏ فلما كان فيما يلي منقطع الترك مما يلي المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس‏:‏ يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقاً أشباه البهائم يفترسون الدواب والوحوش والسباع ويأكلون الحيات والعقارب وكل ذي روح خلق في الأرض، وليس يزداد خلق كزيادتهم فلا شك أنهم يتملكون الأرض ويظهرون عليها ويفسدون فيها فهل نجعل لك خرجاً، على أن تجعل بيننا وبينهم سداً‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏ما مكَّنيّ فيه ربي خير‏}‏ وقال أعدو إلى الصخور والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم‏.‏

فانطلق حتى توسط بلادهم، فوجدهم على مقدار واحد يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخالب وأضراس كالسباع، ولهم هدب شعر يواري أجسادهم، ويتقون به من الحر والبرد، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى، يصيف في واحدة ويشتي في واحدة يتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا فلما عاين ذو القرنين ذلك انصرف إلى مابين الصدفين فقاس ما بينهما وحفر له الأساس حتى بلغ الماء فذلك قوله تعالى ‏{‏قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض‏}‏ قيل فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئاً أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا حملوه وأدخلوه أرضهم، فلقوا منهم أذىً شديداً وقيل فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس، وقيل معناه أنهم سيفسدون عن خروجهم ‏{‏فهل نجعل لك خرجاً‏}‏ أي جعلاً وأجراً من الأموال ‏{‏على أن تجعل بيننا وبينهم سداً‏}‏ أي حاجزاً فلا يصلون إلينا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 98‏]‏

‏{‏قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ‏(‏95‏)‏ آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ‏(‏96‏)‏ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ‏(‏97‏)‏ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ‏(‏98‏)‏‏}‏

‏{‏قال‏}‏ لهم ذو القرنين ‏{‏ما مكني فيه ربي خير‏}‏ أي ما قواني به ربي خير من جعلكم ‏{‏فأعينوني‏}‏ يعني لا أريد منكم المال بل أعينوني بأبدانكم وقوتكم ‏{‏أجعل بينكم وبينهم ردماً‏}‏ أي سداً قالوا وما تلك القوة‏؟‏ قال فعلة وصناع يحسنون البناء والآله‏.‏ قالوا وما تلك الآلة‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏آتوني‏}‏ أي أعطوني وقيل جيئوني ‏{‏زبر الحديد‏}‏ أي قطع الحديد فأتوه بها، وبالحطب فجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب ‏{‏حتى إذا ساوى بين الصدفين‏}‏ أي بين طرفي الجبلين ‏{‏قال انفخوا‏}‏ يعني في النار ‏{‏حتى إذا جعله ناراً‏}‏ أي صار ناراً ‏{‏قال آتوني أفرغ عليه‏}‏ أي أصيب عليه ‏{‏قطراً‏}‏ أي نحاساً مذاباً فجعلت النار تأكل الحطب وجعل النحاس يسيل مكانه حتى لزم الحديد النحاس قيل إن السد كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء، وقيل إن عرضه خمسون ذراعاً وارتفاعه مائة ذراع وطوله فرسخ، واعلم أن هذا السد معجزة عظيمة ظاهرة لأن الزبرة الكبيرة إذا نفخ عليها حتى صارت كالنار لم يقدر أحد على القرب منها، والنفخ عليها لا يمكن إلا بالقرب منها‏.‏ فكأنه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين حتى تمكنوا من العمل فيه ‏{‏فما استطاعوا أن يظهروه‏}‏ أي يعلو عليه لعلوه وملاسته ‏{‏وما استطاعوا له نقباً‏}‏ أي من أسفله لشدته وصلابته ‏{‏قال‏}‏ يعني ذو القرنين ‏{‏هذا‏}‏ أي السد ‏{‏رحمة من ربي‏}‏ أي نعمة من ربي ‏{‏فإذا جاء وعد ربي‏}‏ قيل يعني القيامة وقت خروجهم ‏{‏جعله دكاء‏}‏ أي أرضاً ملساء وقيل مدكوكاً مستوياً مع الأرض ‏{‏وكان وعد ربي حقاً‏}‏‏.‏ ‏(‏ق‏)‏ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد بيده تسعين» قوله وعقد بيده تسعين هو من موضوعات الحساب، وهو أن تجعل رأس أصبعك السبابة في وسط الإبهام من باطنها شبه الحلقة، لكن لا يتبين لها إلا خلل يسير وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «في السد يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال بعضهم ارجعوا فستحفرونه غداً قال فيعيده الله كأشد ما كان حتى إذا بلغوا مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً، إن شاء الله تعالى، واستثنى قال فيرجعون فيجدونه على هيئته حين تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس فيستقون المياه وتفر منهم الناس» وفي رواية «تتحصن الناس في حصونهم منهم فيرمون بسهام إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء فيقولون قهرنا من في الأرض وعلونا من في السماء فيزدادون قسوة وعتواً، فيبعث الله عليهم نغفاً في رقابهم فيهلكون، فوالذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر من لحومهم شكراً» أخرج الترمذي‏.‏ وقوله قسوة وعتواً أي غلظة وفظاظة وتكبراً، والنغف دود يكون في أنوف الإبل والغنم وقوله وتشكر يقال شكرت الشاة تشكر شكراً، إذا امتلأ ضرعها لبناً، والمعنى أنها تمتلي أجسامها لحماً وتسمن‏.‏ ‏(‏خ‏)‏ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 105‏]‏

‏{‏وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ‏(‏99‏)‏ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ‏(‏100‏)‏ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ‏(‏101‏)‏ أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ‏(‏102‏)‏ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ‏(‏103‏)‏ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ‏(‏104‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ‏(‏105‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وتركنا بعضهم يومئذٍ يموج في بعض‏}‏ قيل هذا عند فتح السد، يقول تركنا يأجوج ومأجوج يموج أي يدخل بعضهم في بعض كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعض لكثرتهم، وقيل هذا عند قيام الساعة يدخل الخلق بعضهم في بعض لكثرتهم ويختلط إنسهم بجنهم حيارى ‏{‏ونفخ في الصور‏}‏ فيه دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة ‏{‏فجمعناهم جمعاً‏}‏ أي في صعيد واحد ‏{‏وعرضنا‏}‏ أي أبرزنا ‏{‏جهنم يومئذ للكافرين عرضاً‏}‏ ليشاهدوها عياناً ‏{‏الذين كانت أعينهم في غطاء‏}‏ أي غشاء وستر ‏{‏عن ذكري‏}‏ أي عن الإيمان والقرآن والهدى والبيان وقيل عن رؤية الدلائل وتبصرها ‏{‏وكانوا لا يستطيعون سمعاً‏}‏ أي سمع قبول الإيمان والقرآن لغلبة الشقاء عليهم، وقيل معناه لا يستطيعون أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لشدة عداوتهم له‏.‏ قوله تعالى ‏{‏أفحسب‏}‏ أي أفظن ‏{‏الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء‏}‏ يعني أرباباً يريد عيسى والملائكة، بل هم لهم أعداء يتبرؤون منهم‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله، والمعنى أفظن الذين كفروا أن يتخذوا غيري أولياء وإني لا أغضب لنفسي فلا أعاقبهم وقيل معناه أفظنوا أنه ينفعهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء ‏{‏إنا أعتدنا‏}‏ أي هيأنا ‏{‏جنهم للكافرين نزلاً‏}‏ أي منزلاً‏.‏

قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هي مثواهم وقيل معدة لهم عندنا كالنزل للضيف‏.‏ قوله تعالى ‏{‏قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً‏}‏ يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به فضلاً ونوالاً فنالوا هلاكاً وبواراً، قال ابن عباس‏:‏ هم اليهود والنصارى، وقيل هم الرهبان الذي حبسوا أنفسهم في الصوامع وقال علي بن أبي طالب‏:‏ هم أهل حوراء يعني الخوارج ‏{‏الذين ضل سعيهم‏}‏ أي بطل عملهم واجتهادهم ‏{‏في الحياة الدنيا وهم يحسبون‏}‏ أي يظنون ‏{‏أنهم يحسنون صنعاً‏}‏ أي عملاً ثم وصفهم فقال تعالى ‏{‏أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه‏}‏ يعني أنهم جحدوا دلائل توحيده وقدرته، وكفروا بالبعث والثواب والعقاب، وذلك لأنهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالقرآن فصاروا كافرين بهذه الأشياء ‏{‏فحبطت أعمالهم‏}‏ أي بطلت ‏{‏فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً‏}‏‏.‏ قيل لا تقيم لهم ميزاناً، لأن الميزان إنما توضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ليتميزوا مقدار الطاعات ومقدار السيئات‏.‏ قال أبو سعيد الخدري «يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم من العظم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئاً فذلك قوله تعالى ‏{‏فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً‏}‏ وقيل معناه نزدري بهم فليس لهم عندنا شيئاً ذلك قوله تعالى ‏{‏فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً‏}‏ وقيل معناه نزدري بهم فليس لهم عندنا حظ ولا قدر ولا وزن ‏(‏ق‏)‏ عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال» إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال اقرؤوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً «‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 110‏]‏

‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ‏(‏106‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ‏(‏107‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ‏(‏108‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ‏(‏109‏)‏ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ‏(‏110‏)‏‏}‏

‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى ما ذكر من حبوط أعمالهم وخسة قدرهم، ثم ابتدأ فقال تعالى ‏{‏جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزواً‏}‏ يعني سخرية واستهزاء‏.‏ قوله تعالى ‏{‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً‏}‏‏.‏ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة» قال كعب‏:‏ ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر‏.‏ وقال قتادة‏:‏ الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها‏.‏ وقيل‏:‏ الفردوس هو البستان الذي فيه الأعناب‏.‏ وقيل‏:‏ هي الجنة الملتفة بالأشجار التي تنبت ضروباً من النبات‏.‏ وقيل‏:‏ الفردوس البستان بالرومية‏.‏ وقيل‏:‏ بلسان الحبش منقولاً إلى العربية نزولاً هو ما يهيأ للنازل على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس ونعيمها نزلاً‏.‏ وقيل في معنى كانت لهم أي في علم الله تعالى قبل أن يخلقوا ‏{‏خالدين فيها لا يبغون‏}‏ أي لا يطلبون ‏{‏عنها حولاً‏}‏ أي تحولاً إلى غيرها، قال ابن عباس‏:‏ لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى‏.‏

قوله تعالى ‏{‏قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ قالت اليهود يا محمد تزعم أننا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك ‏{‏ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً‏}‏ ثم تقول وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً، فأنزل الله تعالى وقيل لما نزل ‏{‏وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً‏}‏ قالت اليهود أوتينا علم التوراة وفيها علم كل شيء‏.‏

فأنزل الله تعالى ‏{‏قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي‏}‏ ما يستمده الكتاب ويكتب به، وأصله من الزيادة قال مجاهد‏:‏ لو كان البحر مداداً للقلم يكتب قيل والخلائق يكتبون ‏{‏لنفد البحر‏}‏ أي لنفد ماؤه ‏{‏قبل أن تنفد كلمات ربي‏}‏ أي علمه وحكمه ‏{‏ولو جئنا بمثله مداداً‏}‏ والمعنى ولو كان الخلائق يكتبون والبحر يمدهم فني ماء البحر ولم تفن كلمات ربي، ولو جئنا بمثل ماء البحر في كثرته مدداً وزيادة‏.‏ قوله تعالى ‏{‏قل إنما أنا بشر مثلكم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ علم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم التواضع لئلا يزهى على خلقه، فأمره أن يقرأ فيقول آنا آدمي مثلكم إلا أني خصصت بالوحي وأكرمني الله به وهو قوله تعالى ‏{‏يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد‏}‏ لا شريك له في ملكه ‏{‏فمن كان يرجو لقاء ربه‏}‏ أي يخاف المصير إليه وقيل يؤمل رؤية ربه ‏{‏فليعمل عملاً صالحاً‏}‏ أي من حصل له رجاء لقاء الله تعالى والمصير إليه فليستعمل نفسه في العمل الصالح ‏{‏ولا يشرك بعبادة ربه أحداً‏}‏ أي لا يرائي بعمله ولما كان العمل الصالح قد يراد به وجه الله سبحانه وتعالى وقد يراد به الرياء والسمعة اعتبر فيه قيدان، أحدهما‏:‏ يراد به سبحانه وتعالى والثاني‏:‏ أن يكون مبرأ من جهات الشرك جميعها ‏(‏ق‏)‏ عن جندب بن عبد الله البجلي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

«من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به» قوله من سمع سمع الله به أي من عمل عملاً مراآة للناس يشتهر بذلك شهرة الله يوم القيامة، وقيل سمع الله به أي أسمعه المكروه ‏(‏م‏)‏ عن أبي هريرة قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله تبارك وتعالى يقول» أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه ولغير مسلم فأنا منه بريء هو والذي عمله «عن سعيد بن أبي فضالة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول» إذا جمع الناس ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ من كان يشرك في عمل عمله لله أحداً فليطلب ثوابه منه فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك «أخرجه الترمذي‏.‏ وقال حديث غريب وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال» أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر‏؟‏ قالوا وما الشرك الأصغر قال الرياء «‏(‏م‏)‏ عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال» من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال «وفي رواية من آخرها والله أعلم بمراده وأسراره كتابه‏.‏

سورة مريم

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏كهيعص ‏(‏1‏)‏ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ‏(‏2‏)‏ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ‏(‏3‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ‏(‏4‏)‏ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ‏(‏5‏)‏ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ‏(‏6‏)‏ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ‏(‏7‏)‏ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ‏(‏8‏)‏ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ‏(‏9‏)‏ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏كهيعص‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ هو اسم من أسماء الله تعالى، وقيل اسم القرآن، وقيل للسورة ويل هو قسم أقسم الله تعالى به‏.‏ عن ابن عباس قال؛ الكاف من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم، والصاد من صادق، وقيل معناه كاف لخلقه هاد لعباده يده فوق أيديهم عالم ببريته صادق في وعده‏.‏

‏{‏ذكر‏}‏ أي هذا الذي نتلو عليك ذكر ‏{‏رحمة ربك عبده زكريا‏}‏ قيل معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته ‏{‏إذ نادى‏}‏ اي دعا ‏{‏ربه‏}‏ في المحراب ‏{‏نداء خفياً‏}‏ أي دعاء سراً من قيامه في جوف الليل، وقيل راعى سنة الله في إخفاء دعائه لأن الجهر والإسرار عند الله تعالى سيان، ولكن الإخفاء أولى، وقيل خفت صوته لضعفه سقوط الأضراس ‏{‏واشتعل الرأس‏}‏ أي ابيض الشعر ‏{‏شيباً‏}‏ أي شمطاً ‏{‏ولم أكن بدعائك رب شقياً‏}‏ أي عودتني الإجابة فما مضى ولم تخيبني، وقيل معناه لما دعوتني إلى الإيمان آمنت ولم اشق بترك الإيمان ‏{‏وإني خفت الموالي من ورائي‏}‏ أي من بعد موتي والموالي هم بنو العم وقيل العصبة وقيل الكلالة وقيل جميع الورثة ‏{‏وكانت امرأتي عاقراً‏}‏ أي لا تلد ‏{‏فهب لي من لدنك ولياً‏}‏ أي أعطني من عندك ولداً مرضياً ‏{‏يرثني ويرث من آل يعقوب‏}‏ أي ولياً ذا رشاد، وقيل أراد به يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة والعلم، وقيل أراد به الحبورة، لأن زكريا كان رأس الأحبار، والأولى أن يحمل على ميراث غير المال لأن الأنبياء لم يرثوا المال وإنما يورثون العلم، ويبعد عن زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يشفق على ماله أن يرثه بنو عمه، وإنما خاف أن يضيع بنو عمه دين الله ويغيروا أحكامه، وذلك لما أن شاهد من بني إسرائيل تبديل الدين وقتل الأنبياء‏.‏ فسأل ربه ولداً صالحاً يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع وهذا قول ابن عباس ‏{‏واجعله رب رضياً‏}‏ أي براً تقياً مرضياً‏.‏

قوله تعالى ‏{‏يا زكريا‏}‏ المعنى استجاب الله له دعائه فقال يا زكريا ‏{‏إنا نبشرك بغلام‏}‏ أي بولد ذكر ‏{‏اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً‏}‏ أي لم يسم أحد قبله يحيى وقيل معناه لم نجعل له شبهاً مثلاً، وذلك لأنه لم يعص الله ولم يهم بمعصية قط وقال ابن عباس‏:‏ لم تلد العواقر مثله ولداً، قيل لم يرد الله تعالى بذلك اجتماع الفضائل كلها ليحيى، وإنما أراد بعضها لأن الخليل والكليم كانا قبله وهما أفضل منه ‏{‏قال رب أنى يكون لي‏}‏ أي من أين يكون لي ‏{‏غلام وكانت امرأتي عاقراً‏}‏ أي وامرأتي عاقر ‏{‏وقد بلغت من الكبر عتياً‏}‏ أي يأساً يريد بذلك نحول الجسم ودقة العظام ونحول الجلد ‏{‏قال كذلك قال ربك هو علي هين‏}‏ أي يسير ‏{‏وقد خلقتك من قبل‏}‏ أي من قبل يحيى ‏{‏ولم تك شيئاً وقال رب اجعل لي آية‏}‏ أي دلالة على حمل امرأتي ‏{‏قال آيتك‏}‏ أي علامتك ‏{‏أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً‏}‏ أي صحيحاً سليماً من غير بأس ولا خرس، وقيل ثلاث ليال متتابعات والأول أصح قيل إنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ذكر الله انطلق لسانه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 22‏]‏

‏{‏فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‏(‏11‏)‏ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ‏(‏12‏)‏ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ‏(‏13‏)‏ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ‏(‏14‏)‏ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ‏(‏15‏)‏ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ‏(‏16‏)‏ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ‏(‏17‏)‏ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ‏(‏18‏)‏ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ‏(‏19‏)‏ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ‏(‏20‏)‏ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ‏(‏21‏)‏ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ‏(‏22‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فخرج على قومه من المحراب‏}‏ أي من الموضع الذي كان يصلي فيه وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه حتى يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون، إذ خرج إليهم زكريا متغيراً لونه فأنكروا ذلك عليه، وقالوا له ما لك ‏{‏فأوحى‏}‏ أي فأوما وأشار ‏{‏إليهم‏}‏ وقيل كتب لهم في الأرض ‏{‏أن سبحوا‏}‏ أي صلوا لله ‏{‏بكرة وعشيا‏}‏ المعنى أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشياً فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت حمل امرأته ومنع من الكلام خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏يا يحيى‏}‏ فيه إضمار ومعناه وهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى ‏{‏خذ الكتاب‏}‏ أي التوراة ‏{‏بقوة‏}‏ أي بجد واجتهاد ‏{‏وآتيناه الحكم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني النبوة ‏{‏صبياً‏}‏ وهو ابن ثلاث سنين وذلك أن الله تعالى حكم عقله وأوحى إليه، فإن قلت كيف يصح حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا‏.‏ قلت لأن أصل النبوة مبني على خرق العادات، إذا ثبت هذا فلا تمنع صيرورة الصبي نبياً، وقيل أراد بالحكم فهم الكتاب فقرأ التوراة وهو صغير وعن بعض السلف قال من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو من أوتي الحكم صبياً ‏{‏وحناناً من لدناً‏}‏ أي رحمة من عندنا قال الحطيئة يخاطب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه‏:‏

تحنن علي هداك المليك *** فإن لكل مقام مقالا

أي ترحم علي ‏{‏وزكاة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص، وقيل هي العمل الصالح، ومعنى الآية وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد ليدعوهم إلى طاعة ربهم وعملاً صالحاً في أخلاصه ‏{‏وكان تقياً‏}‏ أي مسلماً مخلصاً مطيعاً، وكان من تقواه إنه لم يعمل خطيئة ولم يهم بها قط ‏{‏وبراً بوالديه‏}‏ أي باراً لطيفاً بهما محسناً إليهما لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى أعظم من بر الوالدين يدل عليه قوله تعالى ‏{‏وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً‏}‏ الآية ‏{‏ولم يكن جباراً‏}‏ الجبار المتكبر وقيل الذي يقتل ويضرب على الغضب، وقيل الجبار الذي لا يرى لأحد على نفسه حقاً وهو التعظيم بنفسه يرى أن لا يلزمه قضاء لأحد ‏{‏عصياً‏}‏ قيل هو أبلغ من المعاصي والمراد وصف يحيى بالتواضع ولين الجانب وهو من صفات المؤمنين ‏{‏وسلام عليه يوم ولد ويوم يوم يموت ويوم يبعث حياً‏}‏ معناه وأمان له من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم وأمان له يوم يموت من عذاب القبر ويوم يبعث حياً من عذاب يوم القيامة، وقيل أوحش ما يكون الخلق في ثلاث مواطن يوم يولد لأنه يرى نفسه خارجاً من مكان قد كان فيه، ويوم يموت لأنه يرى قوماً ما شاهدهم قط، ويوم يبعث لأنه يرى مشهداً عظيماً فأكرم الله تعالى يحيى في هذه المواطن كلها فخصه بالسلامة فيها‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏واذكر في الكتاب‏}‏ أي في القرآن ‏{‏مريم إذا انتبذت‏}‏ أي تنحت واعتزلت ‏{‏من أهلها‏}‏ أي من قومها ‏{‏مكاناً شرقياً‏}‏ أي مكاناً في الدار ما يلي المشرق، وكان ذلك اليوم شاتياً شديد البرد فجلست في مشرقه تفلي رأسها وقيل إن مريم كانت قد طهرت من الحيض فذهبت تغتسل، قيل ولهذا المعنى اتخذت النصارة المشرق قبلة ‏{‏فاتخذت‏}‏ أي فضربت ‏{‏من دونهم حجاباً‏}‏ قال ابن عباس أي ستراً وقيل جلست وراء جدار، وقيل إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي تغتسل من الحيض قد تجردت، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه سوي الخلق فذلك‏.‏

قوله تعالى ‏{‏فأرسلنا إليها روحنا‏}‏ يعني جبريل ‏{‏فتمثل لها بشراً سوياً‏}‏ أي سوي الخلق لم ينقص من الصورة الآدمية شيئاً، وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، وقيل المراد من الروح روح عيسى جاءت في صورة بشر فحملت به والقول الأول أصح، فلما رأت مريم جبريل عليه السلام يقصد نحوها بادرته من بعيد ‏{‏قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً‏}‏ أي مؤمناً مطيعاً لله تعالى، دل تعوذها من تلك الصورة الحسنة على عفتها وروعها‏.‏ فإن قلت إنما يستعاذ من الفاجر فكيف قالت إن كنت تقياً‏.‏ قلت هذا كقول القائل إن كنت مؤمناً فلا تظلمني أي ينبغي أن يكون إيمانك مانعاً من الظلم، كذلك ها هنا معناه ينبغي أن تكون تقواك مانعة لك من الفجور ‏{‏قال‏}‏ لها جبريل عليه السلام ‏{‏إنما أنا رسول ربك لأهب‏}‏ أسند الفعل إليه وإن كانت الهبة من الله تعالى لأنه أرسل به ‏{‏لك غلاماً زكياً‏}‏ قال ابن عباس ولداً صالحاً طاهراً من الذنوب ‏{‏قالت‏}‏ مريم ‏{‏أنى يكون لي‏}‏ أي من أين يكون لي ‏{‏غلام ولم يمسسني بشر‏}‏ أي ولم يقربني زوج ‏{‏ولم أك بغياً‏}‏ أي فاجرة تريد أن الولد إنما يكون من نكاح أو سفاح ولم يكن ها هنا واحد منهما ‏{‏قال‏}‏ جبريل ‏{‏كذلك قال ربك‏}‏ أي هكذا قال ربك ‏{‏هو علي هين‏}‏ أي خلق ولدك بلا أب ‏{‏ولنجعله آية للناس‏}‏ أي علامة لهم ودلالة على قدرتنا ‏{‏ورحمة منا‏}‏ أي ونعمة لمن تبعه على دينه إلى بعثه محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏وكان أمراً مقضياً‏}‏ أي محكوماً مفروغاً من لا يرد ولا يبدل‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏فحملته‏}‏ قيل إن جبريل رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبست الدرع، وقيل مد جيب درعها بأصبعه ثم نفخ في الجيب، وقيل نفخ في كمها وقيل في ذيلها، وقيل في فيها، وقيل نفخ من بعيد فوصل النفخ إليها فحملت بعيسى عليه السلام في الحال ‏{‏فانتبذت به‏}‏ أي فلما حملته تنحت بالحمل وانفردت ‏{‏مكاناً قصياً‏}‏ أي بعيداً من أهلها‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ أقصى الوادي، وهو بيت لحم فراراً من أهلها وقومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ كان الحمل الولادة في ساعة واحدة وقيل حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وقيل كانت مدته تسعة أشهر كحمل سائر الحوامل من النساء، وقيل كانت مدة حملها ثمانية أشهر، وذلك آية أخرى له لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر وولد عيسى لهذه المدة وعاش، وقيل ولد لستة أشهر وهي بنت عشر سنين وقيل ثلاث عشرة سنة وقيل ستة عشر سنة وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى، وقال وهب‏:‏ إن مريم لما حملت بعيسى كان معها ابن عم لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي يمنة جبل صهيون، وكانا يخدمان ذلك المسجد ولا يعلم من أهل زمانها أحد أشد عبادة واجتهاداً منها وأول من علم بحمل مريم يوسف، فبقي متحيراً في أمرها كلما أراد أن يتهمها ذكر عباتها وصلاحها وأنها لم تغب عنه، وإذا أراد أن يبرئها رأى ما ظهر منها من الحمل فأول ما تكلم به أن قال إنه وقع في نفسي من أمرك شيء وقد حرصت على كتمانه فغلبني ذلك فرأيت أن أتكلم به أشفي صدري، فقالت‏:‏ قل قولاً جميلاً، قال أخبريني يا مريم هل ينبت زرع بغير بذر وهل ينبت شجر بغير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر‏؟‏ قالت نعم ألم تعلم أن الله أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ألم تر أن الله أنبت الشجر بالقدرة من غير غيث أو تقول إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجر حتى استعان بالماء ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها قال يوسف‏:‏ لا أقول هذا ولكن أقول إن الله تعالى يقدر على كل شيء يقول له كن فيكون، قالت له مريم‏:‏ ألم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى‏.‏ فعند ذلك زال ما عنده من التهمة وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل‏.‏ فلما دنت ولادتها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك فذلك قوله تعالى ‏{‏فانتبذت به مكاناً قصياً‏}‏‏.‏